Dernière mise à jour : dimanche 24 janvier 2016 - 10:48

الأغاني الخالدة : رالا بويا

بتاريخ 24 Jan, 2016 - بقلم Redaction

من الأغاني الرائعة للتراث المغربي الخالد والنابعة من عمق جبال الريف الشامخة
إيقاعات الريف الأمازيغي

لا يشكل الغناء مجرد واحد من أهم وأقدم الفنون في منطقة الريف الأمازيغية في شمال المغرب، ولكنه أيضاً أحد الملامح الإنسانية الثابتة في هذه المنطقة، التي تمتد جلّ حواضرها وقراها، على طول الساحل المتوسطي، ويغلب عليها الطابع الجبلي.
كان لا بد للإنسان الريفي، الذي يعتمد في تواصله اليومي « ثمازيغت ثاريفيت » (أي أمازيغية الريف)، أن يحفظ الأفكار والطقوس والتاريخ عبر الأغاني والملاحم. لقد كان الغناء حاضراً في حياة الريفي الأمازيغي، خصوصاً لدى المرأة، مساهماً في تأريخ وتدوين مساراته الحياتية في جميع جوانبها: الاجتماعية، والنفسية، والاقتصادية، والثقافية.
يقول الباحث في الشأن الثقافي بالريف، محمد أسويق، في حديث لـ »العربي الجديد »: إن الأغنية الريفية لها جذور عميقة، وهذا مدوّن في أزيد من مائتي فقرة، سجلها الأنثروبولوجي الأميركي بول بوز. كما أنها مرتبطة تاريخياً بالإنسان في هذه المنطقة وبحياته اليومية ».
لم يكن الغناء مجرد وسيلة لتزجية الوقت، بل هو « شكل من أشكال الأنشطة الاجتماعية التي يمارسها الإنسان الأمازيغي الريفي، لذلك فهو يستحضره في مناسبات الأعراس والأفراح، بل وحتى في ممارسة باقي الأنشطة الحياتية، كالحصاد وما يرتبط به من أنشطة »، كما يروي، الباحث في التراث الشعبي والتنمية عبد الصمد مجوقي.
لذلك فالغناء الشعبي في الريف، الذي يرتكز على « إزْرَانْ » (أبيات شعرية مغناة ومفردها إزري)، ولازمة « أيَا رَالاَّ بُويَا » (نداء لإسم يحيل على أنثى مقدسة)، ليس مجرد خاصية ثقافية، بل هو مكوّن جوهري للهوية الريفية، وأحد معايير الانتماء إلى منطقة الريف. حتى أن الأنثروبولوجي الأميركي دافيد مونتغمري هارت، الذي بحث في الأشكال الثقافية والاجتماعية للمنطقة، رأى أن أي قبيلة لا تغنى بها لازمة « أيارا لا بويا »، لا تعتبر ريفية حقاً.
وليست لازمة « رالا بويا »، أكثر من مجرد سمة ثقافية لأهل الريف الأمازيغ، بل هي تقليد اجتماعي يحمل طابعاً مؤسساتياً. كما أن « رالا بويا »، هي معيار وميزان الـ »إزران » الريفية الصحيحة، وكل إزري لا يوافق هذا الميزان فهو ليس ريفياً.
مجتمع الريف، كما يوضح مجوقي، سمته الأساسية هي الشفهية، لذلك « كان لابد أن يرتبط الشعر بالغناء حتى يحفظ مكانته بين الأوساط الشعبية التي تناقلته من جيل إلى آخر. ومن تجليات هذا الارتباط، الاعتماد بشكل أساسي على التنغيم الموسيقي وارتكازه على إيقاع « رالا بويا ». ومنه، فإن ارتباط الشعر بالغناء يسهل عملية انتقاله من جيل لآخر، وهذا ما جعله لا ينفصل عن فنيّ الغناء والرقص ».
ويضيف: « أن رحلة الشعر الغنائي الريفي من جيل لآخر، أكسبته سمة أخرى، تتمثل أساساً في التحيين والتجدّد. فلكي يستطيع الشعر الصمود كل هذه السنين، كان لا بد من أن يجدّد وظيفته في المجتمع »، وهو الأمر الذي نجده حديثاً عند مجموعة من الفرق الغنائية التي أحيت عدة قصائد مغناة من التراث الريفي.
إلى جانب هذا، يتميز الغناء الأمازيغي الريفي، بعدة خصوصيات أخرى، يلخصها أسويق، في بنائه المتراص على مستوى اللغة، والشحنة العاطفية بمفهومها الموضوعي، ثم القاموس القديم للغة، والالتزام بالوقار والحشمة والأعراف الاجتماعية، إضافة إلى الارتجالية والصدق والعفوية. ويميز أسويق بين « غناء فردي؛ ينقسم بدوره بحسب جنس المغني. ثم غناء جماعي »، فكل نوع يخضع في إيقاعاته « لمسألتين؛ في المناسبات مثل الأعراس يخضع للآلات النقرية التي قد تختفي في بعض الحالات، ليحضر الجسد كما هو الحال بالنسبة للنساء في الحقول اللائي يتمايلن بأجسادهن، مثل تمايل السنابل ».
وإذا انتقلنا إلى المواضيع الشعرية المغناة في الريف، فلا يمكن حصرها في موضوع واحد مثل الحرب والمقاومة وإثارة الحماس من أجل التصدّي للاستعمار، من دون أن يعني هذا التقليل من قيمة وجمالية هذا الفن، بل تعدّدت الأغراض والمواضيع الشعرية التي تناولها الشعر الغنائي الريفي. لكن مجوقي، يرى أن المقاومة في منطقة الريف، « كانت حرباً تحريرية شعبية، قادتها من عامة الشعب، وواكبتها بل وانخرطت فيها كل أطياف المجتمع.
وواكب الشعر الغنائي الريفي هذه الحرب التحريرية بمرحليتها؛ سواء مع الشريف محمد أمزيان (رائد المقاومة الشعبية الريفية ضد الاستعمار الإسباني)، أو محمد بن عبد الكريم الخطابي (قائد ثورة الريف). لذلك كان الشعر الغنائي الأمازيغي في الريف تعبيراً نابعاً من الوجدان لإثارة الأحاسيس والعواطف الداعية إلى دحر العدو ».
الرأي نفسه يذهب إليه، أسويق، فيؤكد أن الأشعار المغناة في فترة المقاومة الريفية، « مثل الصواعق »، مشدداً على أن المغني، « كان في المجتمع الريفي مثقفاً عضوياً بالمفهوم الغرامشي »، وكانت الأغنية « ملتزمة » قبل أن يظهر الالتزام بمفهومه اليساري ». كما يُجمع كثير من دارسي الأنماط الثقافية الشعبية على أن الغناء الأمازيغي الريفي اهتم بقضايا بعيدة عنه جغرافياً، فقد أنشد لمعانٍ تخص البشرية، وانطلق من مكان صغير إلى العالم والإنسان مهما كانت خلفيته أو لغته، حسبما يقول الباحث محمد أسويق. كما أنشدت الأغنية الريفية الأمازيغية للشعب الفلسطيني ولمقاومته، وكان من بين موضوعاتها العدوان الثلاثي على مصر والثورة الجزائرية وحتى احتلال بغداد.
عبد المومن محو