Dernière mise à jour : samedi 13 mai 2017 - 10:49

جمالية البلاغة و سؤال الهوية : قصائد الشاعرة الريفية المغربية حياة بوترفاس، نموذجا

بتاريخ 13 Mai, 2017 - بقلم Redaction

تمهيد:

« الحياة لا تصير هادفة ومؤطرة. إلا من خلال منظومة الأدب. وذلك هو تاريخنا في رحابه؛ وهو دوما كان ينذرنا بلبس الموت الرخيص والضياع خارج العنفوان، حتى لا يستقر تصورنا على أنه كان أدبا وصفيا، كما لم يكن حنينيا ونوستاليجيا، واستقراؤنا له أثبت لنا أنه جاوز الفرجة بالمعرفة، مبرهنا أنه أدب إنساني هادف.أو هو أكثر من البلاغة وسيظل بدوره موقفا يحرج الضمير كي لا يموت التاريخ، ولو كلف الأمر الألم والعذاب السيزيفي، كما فعلت الأديبة الأمازيغية .وهي توشم جسدها، ليس تعلقا بإله ديونيزوس. بل ضدا على صمت التاريخ وانهيار القيم… »

من هذا المنطلق، نكتب و نقرأ شعرنا و أدبنا، و هي نفسها الفلسفة التي جعلتنا نقوم بمساءلة آليات النقد التطبيقي الحديث، لمقاربة تراكمات إبداعية، و منها في هذا المقال، نماذج من قصائد الشاعرة الأمازيغية الريفية حياة بوترفاس.

الاسم الكامل : حياة بوترفاس … منمواليد مدينة  الناظور/ المغرب…  استاذة لغة فرنسية، حاصلة على الاجازة  في اللغة الفرنسية، و اجازة في الدراسات الامازيغية بجامعة محمد الاول بوجدة/ المغرب …فاعلة جمعوية ، و لديها مشاركات ومساهمات شعرية في مجموعة من الانشطة  كالمهرجان الدولي  للحكايات بالرباط، و مهرجان تويزا بطنجة ، و ملتقى طنجة للشعر، و  مهرجان شفشاون للشعر…   

1 ـ إحالات مرجعية:

 شهدت الساحة الأدبية المغربية الحديثة، المغربية عامة، و الريفية خاصة، بروز حركة نقدية نشيطة رغم ندرتها، تناولت موضوع الشعر المغربي الأمازيغي القديم و المعاصر، وجعلته مدارا للتحليل والنقد انطلاقا من زوايا متعددة . وفي « ذلك يتداخل البحث العلمي الرصين بالكتابات ذات الطابع الصحفي والجدلي العابر » . كما عبر عن ذلك الباحث مصطفى المسعودي في سياق آخر.. و إذا كانت الأخيرة لا تعنينا هنا، فإن العديد من الدراسات النقدية المغربية الرصينة انبثقت الانبثاق الواضح بين رحاب الدرس الجامعي الأكاديمي ثم انطلقت منه إلى مجال النشر والتداول العام، فصارت الدراسات المنجزة مراجع معتمدة في الحديث عن تجربة الشعر المعاصربالمغرب ، لا يمكن التغافل عنها وعن طرائقها المعتمدة .وهكذا انبنى صرح نقدي مغربي هام وثري بأسماء نذكر منها على وجه التمثيل عبد المنعم عزوزي، و محمد الولي، و الحسين الادريسي، وجميل حمداوي، و فؤاد أزروال، و جمال أبرنوص، و عبد الله شريق، و محمد أقوضاض، و محمد الشامي، و بوزيان موساوي… و(Justinardو Basset و Biarnayو غيرهم)… واجهوا ظاهرة أدبية فيها من الحساسية بقدر ما فيها من الجدة والجدل والسؤال..

 ـ أي آليات نقدية تطبيقية لمقاربة الشعر الأمازيغي الحديث بالريف، شعر حياة بوترفاس نموذجا؟

لا يمكن مقاربة الشعر الأمازيغي الريفي بالخصوص، قديمه، و حديثه، انطلاقا من توظيف قراءات منهجية متداولة تكتفي غالبا بتحديد الاشكالات، و تفكيك الخطاب… لأن الشعر الأمازيغي الريفي عند حياة بوترفاس كما عند غيرها، ينتفض بمعماره، كما بأغراضه عن التصنيفات المتداولة… و ذلك لأنه، كما عبر عن ذلك الباحث الحسين الادريسي، « ظل متحررا من أي سلطة يمكنها أن تقف في وجهه، على اعتبار أن هذه النصوص الشعرية (…) تعتبر مؤسسة ثقافية متجددة في غياب مؤسسات قائمة على الأرض »…

و من ثم، فضلنا، و نحن نقرأ عينة من النصوص الشعرية لحياة بوترفاس، مساءلة ماكرو ـ بنية النص، الاستماع لكل رنة حرف، و تناغمه مع باقي الأصوات، و استنطاق تعابير البوح الوجداني، و تفكيك معالم كل صورة بما توحي، و إلى ما ترمز، و التوقف عند جمالية البلاغة و سؤال الهوية، و البحث عن مقومات الخروج من الطقس الفرجوي لصيق الشعر الغنائي المناسباتي إلى البعد المعرفي و الوجودي…

اخترنا ستة نصوص للشاعرة حياة بوترفاس كمتن/ انطلاق/ ارضية/ إيضاح  لمقاربتنا هذه، وهي:

 » أراجي » (الانتظار)،  » ذ  تا  ذ  ناش » ( هي ذي أنا)، « إدجيس ن ناظور » (بنت الناظور)، « ناش ذ أنو » (أنا بئر)، « ثوتلايت ذ تامورت »(اللغة و الأرض)، « أوسان   يمسارواسان » (الأيام المتشابهة).

1 ـ العنوان عتبة نص/ الرأس للجسد:

يشبه الدكتور محمد مفتاح العنوان بمثابة الرأس للجسد ، فهو الأساس الذي تبنى عليه  لإنه يختزل النص برمته و يقدم للقارئ من هذا المنطلق كعنصر إثارة تدفع المتلقي لاقتحامه ، فيكون بذلك اقتراح عقد ، و باعتباره اقتراح إتصال    ومن   هنا يبني القارئ  توقعه من خلال قراءته  للعنوان و يدفعه إلى تحديد جنس النص و مضمونه  إعتمادا على صياغته اللغوية و الدلالية…. 

و عند قراءتنا للعناوين اعلاه،  نتوقف عند جمالية البلاغة، و سؤال الهوية من جهة، و عند البوح الوجداني عائما بين ذات تتحكمها هوية و ماهية، و ذات حالمة في معيش واقعي/ عبثيمن جهة ثانية.

و لما تحدثنا هنا عن جمالية بلاغة و سؤال هوية، استندنا إلى الانزياح الكامن في صياغة العنوان (Ecart stylistique):

لعنونة احد النصوص، هي لم تكتب « ناش زي الناظور » (أنا من الناظور)، و بالتالي كونها تنتمي لمدينة شرق الريف (الشمال الشرقي للمغرب)، بل كتبت « إدجيس ن ناظور » (بنت الناظور)، و كأنها تحيل بذلك لأنا جماعية للمرأة الريفية بصيغة الجمع تعيش في مدينة كالناظور لها ما لها، و ما عليها، طقوسا و عادات و تقاليد و نمط عيش، و نظرة للمرأة… و امرأة (الشاعرة) تعلن انتماءها لمجموعة لسنية مرتبطة بالأرض ارتباطا عضويا و وظيفيا…امرأة ريفية أمازيغية لا تعتبر لغتها مجرد وسيلة تعبير  » إيلاس/ إيراس » (لسان)، بل استعملة مصطلح « توتلايت » (اللغة)، و تستعمل هذه المفردة للتعبير عن لغة التعليم/ التدريس… و هو إيحاء بأن الأمر يتعلق بامرأة متعلمة و مثقفة و مؤمنة بارتباط لغتها بانتمائها الثقافي و الحضاري لأرض، هي موطنها.

و اخاترت لنص آخر عنوان: » ذ  تا  ذ  ناش » (هي ذي أنا)، و لم تكتب « ناش  تا » (أنا ذ ا)، و هو ما يطلق عليه البلاغيون « التصريح المكبوح » (euphémisme)، إما تواضعا، أو تقليلا بأهمية الذات، أ و تشاؤما، أو حتى أحيانا تفاخرا كما في هذه القصيدة… أو لتصف حالتها الحالية فقط، كأن لسان حالها يقول: « أمو  ي  دجيغ » (هذا وضعي) كامرأة ريفية هنا/ الآن…. و قد تكون الصياغة التركيبية لهذا العنوان من إملاءات الضرورة الشعرية كما جاء في دراسة في سياق ىخر للباحث حميد الطالبي.

و اختارت في نفس سياق جمالية البلاغة، لنص آخر عنوان:  » ناش   ذ  أنو » (أنا بئر) … لم تكتب « ناش  آم   وانو » (أنا مثل البئر)… و حضور المشبه و المشبه به، مع غياب أدة التشبيه، يحيلنا على التشبيه  البليغ (la métaphore )… هو انزياح وظيفي يبعدنا عن المعنى الحرفي للبئر…  ليصبح اليئر (وهو اسم مذكر في الأمازيغية) صورة مجازية تعبر عن أغوار الانسان و عمق أحاسيسه و أفكاره…و قد يكون لتوظيف هذا العنوان مقاصد أخرى… و يبقى انطباعنا الأولي مجرد فرضيات تصاغ قبل قراءة النص…

2 ـ مساءلة ماكرو ـ بنية النص الشعري: (قصيدة « أراجي » (الانتظار) نموذجا:

يجمع بعض الباحثين المهتمين بالأدب الأمازيغي الريفي القديم بأن بنية  الشعر الريفي تنضبط لإيقاعات لازمة  » للا بويا »، و حتى لما تغيب كلازمة شعرية (refrain)، فما يصاغ من « إيزران (أبيات) ينصاع لأوزانها المتوارثة سماعا في الشعر الشفوي أو الغنائي، و حتى في المكتوب…كتب  الباحث و الصحفي  خالد بنحمان بهذا الصدد يقول:
آيارا لابويا” لازمة أمازيغية يتم ترديدها كضابط إيقاع لنغمات متناسقة وميزان شعري بأبيات وقافية فتعطي صورة من صور الإحتفالية لدى المجتمع الأمازيغي بالريف عادة ما اكتسبت موقعا لا يمكن الإستغناء عنها في المناسبات السارة من عرس وختان وعقيقة، ومجرد التغني بغيرها يعد خروجا عن قاعدة مألوفة وتنكر للإنتماء والأصل الذي جعل من” آيارا لابويا “علامة بارزة تميز منطقة الريف وطقوس أهلها من الشرق إلى الغرب.« 

لكن بنى نصوص الشاعرة حياة بوترفاس خرجت عن هذه النمطية، رغبة منها في التجديد، و في التحرر من القوالب الجاهزة المتوارثة، و تنخرط بالتالي في اتجاهات الابداع الشعري الحداثي بنصوص تنتمي لموجة الشعر الحر… و حتى لما تلجأ لتكرار نفس المفردة  « أراجي  » (الانتظار) (32 مرة) على طول النص، كما الشأن في قصيدة « أراجي  إينو » (انتظاري)، فهذا النوع من التكرار لا يشبه اللازمة التي عهدناها في الشعر الأمازيغي التقليدي بقدر ما تنتمي لإحدى خصائص الشعر الحر كما هو متعارف عليه لدى شعراء الغرب كما عند العرب… بهذا الصدد، تحدثت نازك الملائكة ‘في كتابها « قضايا الشعر المعاصر » (ولم تكن تقصد الشعر العربي خاصة)، وعرضت أنواعا من التكرا، ومن ذلك : تكرار اللفظ ، وتكرار الجملة ، أو بيت شعر، أو مقطع، وتكرار الحرف، وقد جمعت كل أنواع التكرار السابقة في ثلاثة أقسام حسب الوظيفة التي تؤديها في السياق الشعري، وهذه الأقسام هي:
1
ـ. التكرار البياني : وهو التكرار الذي يلجا إلى التأكيد على الكلمة المكررة أو العبارة.
2
ـ تكرار التقسيم: وهو تكرار كلمة أو عبارة في ختام كل مقطوعة من القصيدة.
3
. التكرار اللاشعوري: وتعرف نازك الملائكة هذا النوع من التكرار بقولها: » التكرار الذي يجيء في سياق شعري كثيف يبلغ أحيانا درجة المأساة ، ومن ثّمّ فإن العبارة المكررة تؤدي إلى رفع مستوى الشعور في القصيدة إلى درجة غير عادية.
وتضيف الشاعرة لتوضيح هذا النوع  » ويغلب أن تكون العبارة مقتطفة من كلام سمعه الشاعر فوجد فيه تعليقا مريرا على حالة حاضرة تؤلمه أو إشارة إلى حادث مثير يصحّي حزنا قديما أو ندما نائما أو سخرية موجعة.

و تكرار « أراجي » (الانتظار) عند حياة بوترفاس، بالاضافة إلى ما أسلفنا، يقارب التيمة من وجهة نظر وجودية تلامس فلسفة العبث كما عند سامويل بيكيت، الذي لخص مبادئ العبثية، كما جاء على لسان الباحثة سارة دكين في ثلاث نقاط :
1
ـ أن الإنسان ضائع و لم يعد لسلوكه أي معنى في الحياه و انه اصبح يجتر أفكاره فقط ﻻ غير .
2
ـ فشل الإنسان الدائم في محاوله فهم الكون و المغزى الحقيقي له، لذلك سميت بالعبثية فالعبث هنا يعني  » عدم الجدوى » … « البحث عبثًا « .
3
ـ. صراع الإنسان الداخلي الدائم بين وجود هدفٍ له في الحياة و بين عدم قُدرتِه على تحقيق ذلك الهدف.

4 ـ البلاغة موقف يحرج الضمير كي لا يموت التاريخ (عبر مساءلة قصيدة « ناش  ذ  أنو » (أنا بئر)، و قصيدة « توتلايت ذ تمورث » (اللغة و الأرض):

و البئر كما كتب الباحث محمد عبد الأعلى: »  من أكثر المفردات التي تكررت حولها الأمثال (…) رغم أن البئر لم يعد موجودًا بصورة منتشرة؛ بسبب تطور وسائل الحصول على المياه، لكنه رمز دائم للتجربة والمعاناة منذ قصة يوسف عليه السلام، ومنذ عهود الترحال والسفر الشاق ».. و قد يكون البئر حسب الأمثال و الحكم الشعبية المتداولة إما هبة حياة لأنه يهب الماء « (وجعلنا من الماء كل شيء حي »)، أو مدفن اسرار، أو غور أعماق، او مطبأ…، وفي جميع الحالات…يتأكد من خلال النص، بوح مقصود
 من لدن الشاعرة يرمي إلى إثبات كينونة و ماهية المرأة الريفية المعاصرة التي بتحديها للحاضر، و باستشرافها للمستقبل، لا تنسى، و هي « اليئر » أنها راكمت كانسانة كليشيهات/ تمثلات المجتمع الريفي تجاه المرأة عبر العصور، كما أنها بمنطق الذاكرة المشتركة، لم تنس أنها كأي أمازيغي/ أمازيغية، لها تاريخ بشمال إفريقيا… و ما توضيفها في هذه القصيدة لرمزية الملك يوغرطا، و الثائر تاكفاريناس إلا خير دليل على ذالك… كتبت تقول: « 

« ناش  ذ  تاكفارينا » (أنا  تاكفاريناس) (…)

« ناش  ذ  يوغارطا » (أنا يوغرطا) (…)

« ناش  ذ  تيراي » (أنا الحرية) (…)

و تلح الشاعرة في بوحها، إضافة إلى الافتخار بسلالتها الأمازيغية، وكونها تحمل جينات أبطال التاريخ القديم…، فهي في قصيدة « توتلايلت  ذ  تمورث » ( و استعمال « ذ » هنا قد يعني مجرد حرف عطف « و »، و بالتالي اللغة و الأرض، و قد يعني « ذ » حرف شبيه بفعل اقتران، بمعنى « هي »، ونفهم بالتالي أنها تقصد: اللغة هي الأرض… و في كل الحالات، نجد أنفسنا مرة أخرى، أمام شاعرة ملتزمة بقضايا الريف، و تنادي بتدوين التاريخ الحقيقي و قراءته و التغني به، و استلهام العبر منه… و أمام جمالية بلاغة و سؤال  هوية…

      و لنا عودة      بوزيان موساوي: كاتب من المغرب