Dernière mise à jour : vendredi 14 juillet 2017 - 3:14

قراءة سيميائية في قصيدة « …سفر القلب » للشاعرة د كريمة نور عيساوي

بتاريخ 14 Juil, 2017 - بقلم Redaction

أشعر أنني لا أقف إزاء القصائد إلا إذا أدهشتني وحركتني ارتكازاتها وحركت في داخلي ارتباطا بين اللغة الشاعرية وبين انزياحاتها الفاعلة، ولا أتذكر من القائل: « أشعر الناس من أنت في شعره حتى تفرع منه »، فإذا ما عشتُ أنا في النص؛ فإن قلمي يخرج عن طوعي ولا أدري كيف يسوح. عبد الكريم عليان

و هذا ماحث لي فعلا مع قصيدة «  سفر القلب«  للشاعرة المغربية الدكتورة كريمة نور عيساوي

 ـ نقرأ النص:

« سفر القلب

لما أيقنت من ولوجك حلمي
فتحت سفرقلبي

اجترحت لي لبنة

أحضرت مخطوطاتي الأزلية

دونت… همسات

هسهسات

للعهدة الأبدية،

ثم مزقتك من قافية دواويني الأولية،

كلماتك حشرجات كرز الربيع

تلامس الشفاه الندية

المبللة برضاب الخيبات،

بعدما هاجرت براعم الصدق

ضع يدك فوق جسد الأمنيات

وتحسس زنابق اللقاء

على سعف الحلم،

الليل أسدل شراشفه

وأنت تراقب عودة النهار

تعال نلتقي على أهرامات الاعتراف

تعال نأوي لجبل

يعصمنا من سيول الأنانية

نستلقي على سرير الإنسانية،

حياتنا عقد لازردي

حباته صقلتها لعنة شيطانية،

فغاب لمعانه في مزن الكبرياء

الحب غدا في حقوله مقبورا

العشق في أبراجه أمسى مبتورا

والصبابة ترقص على الركح

في احتفاليتنا هاته

أعدم المخرج

وأبيد الممثلون

وأنا وأنت،

نراقب نهاية المسرحية،

الآن
..
أعلنها صرخة
….
مدوية

لقد أغلقت سفر قلبي،

وأضعت المفاتيح في البحور اللجية
. »

لماذا قراءة سيميائية؟

لأنها تعنى بدراسة الملفوظ (النص) كعلامات تتفاعل فيها علاقات الدال بالمدلول بشكل غير مألوف في الخطاب اليومي المباشر..و إذا كان الشاعر لا يتعامل مع اللغة تعاملا بريئا، لأنّه يستدعي الألفاظ وينسجها بطريقة مقصودة، فإن القارئ مطالب بأن يكون حاذقا في فك شفرات النصوص بالدفع بكل كلمة إلى مجال تنكشف فيه الدلالات الخفية التي لا تتمظهر على سطح النص، ويؤول الأمر في النهاية إلى قراءة القراءة وإلى دلالة الدلالة. وهو ما يستدعيه النّص الأدبي، حتى يبقى ديناميا ومفتوحا على التأويل (كما كتبت الباحثة كريمة حميطوش)..

إملاءات الوجدان و الفكر:

بدءأ من العنوان إلى آخر سطر من النص، استوقفتنا « ىسيمات  » (sèmes) تنتمي إلى نفس الحقل المعجمي و الدلالي … هي ليست مجرد مرادفات لمفردات كما في أسلوب البيان، بل إيحاءات شعرية تغلب عليها إملاءات الوجدان في الظاهر، و تستند في عمقها على مرجعيات فكرية لاهوتية، و  ميثولوجية/ أسطورية، و أنروبولوجية، و وجودية/ عبثية.

تتجلى في هذا النص بوضوح ظاهرة تسترعى اهتمام المتلقي وهي شيوع  مفردات مثل: « سفر »( سفر القلب… فتحت سفر قلبي…)، و « مخطوطات » (أحضرت مخطوطاتي الأزلية)، و « دواوين » (ثم مزقتك من قافية دواويني الأولية)، و « الأبد » (العهدة الأبدية)، و « الاعتراف » (تعال نلتقي على أهرامات الاعتراف)، و « اللعنة » (حباته صقلتها لعنة شيطانية)، و « القبر » (الحب غدا في حقوله مقبورا)، و « المسرح » (نراقب نهاية المسرحية)….

ال » سفر » (نسبة إلى سفر التكوين و هو أول أسفار التوراة (أسفار موسى الخمسة) وأول أسفار التناخ، وهو جزء من التوراة العبرية، كما أنه أول أسفار العهد القديم لدى المسيحيين.. و استعملت المفردة في القرآن.. ففيه نقرأ « في البدء كانت الكلمة، و منه نتعلم نشأة الكون.. و به استمد علماء الابستيمولوجيا من الفلاسفة نظرياتهم حول ظروف النشأة و التطور.. و منه استلهمت الشاعرة قصة « سفر القلب »: قصة حب ملعونة، تشبه قصة آدم و حواء بعد الخطيئة…

و تشبه مجازا هذا ال »سفر، و في نفس السياق » تارة ب »المخطوطات الأزلية « ، و هي نسخ من اسفار العهدين القديم والجديد، و تارة ب  » الدواوين الأولية » في علاقة تماثلية مع ما نقرأه في القرآن عن « أساطير الأولين »… من هذا المناخ اللاهوتي، و الميتافيزيقي، استلهمت الشاعرة قصة « سفر القلب »: قصة حب ملعونة، تشبه قصة آدم و حواء بعد الخطيئة…سمتها « لعنة شيطانية » (نستلقي على سرير الإنسانية،
حياتنا عقد لازردي…
حباته صقلتها لعنة شيطانية)

و استعمال هذا المعجم المتناغم ذو المرجعية الدلالية و الفكرية الواحدة   المتمركزة حوا عبثية « لعنة الحب » (Isotopie de l’amour maudit)، ليس محض صدفة و لا محاكاة و لا تناصا.. هو مرتبط ارتباطا عضويا بالمرجعية الفكرية و العقائدية للشاعرة كأستاذة باحثة في الديانات، و حاصلة على مستر و دكتوراه في « مقارنة الأديان » من جامعة فاس المغربية…

توظيف الأسطورة:

و بشكل سلس و متناغم، و بدون مفارقات، تخرجنا الشاعرة من عالم التكوين و النشأة ذو المرجعية الدينية اللاهوتية الكونية، إلى عالم ميثولوجي/ أسطوري له مرجعياته في الأبحاث الأنطروبولوجية، يكرس صورة « لعنة الحب »، نقرأ في النص:

 » تعال نلتقي على أهرامات الاعتراف (…)

 » الحب غدا في حقوله مقبورا »

لا علاقة لأهرامات مصر بسياق هذه القصيدة، و توظيفها يتجاوز مجرد أسلوب مبالغة أو غلو في التعبير لتضخيم شكل « الاعتراف »… استعمال عبارة « أهرامات الاعتراف  » تحيلنا على أسطورة مغربية قديمة يعود تاريخها إلى ما قبل دخول الاسلام إلى المغرب.. و أغلب الظن أن الشاعرة تقصد بها « أهرامات غريس » و أسطورة « العار الكبير » (le grand péché ) المرتبطة بها.. هي على شكل كراكير بروتوتاريخية ذات قيمة ثقافية لا تقدر. يطلق عليها بالأمازيغية إكرار، جمع أكر ور. وهذا النوع من المدافن الأمازيغية القديمة موجود أيضا في الجزائر، وربما في شمال إفريقيا كلها. يقول الباحثون أن « من بين الكراكير جميعها يبقى كركور المقتول تحت الحماية أهمها على الإطلاق، وهو نوع من الرجم الرمزي لصاحب الحماية والعناية كرمز لما يسمى في العادة المغربية العربية والأمازيغية العار الكبير، وبذلك تصبح حياة الحامي الذي قتل محميه يدون معنى، حياة جسدية فحسب، أما اجتماعيا فهو ميت متى سقط عاره، ويمكن أن يخبر الناس في القبيلة وخارجها ببراحين يطلقون، واك واك أو واق واق بأكف مضمومة وإبهاماها إلى الأسفل…وأحيانا تقرأ الفاتحة بأكف مفتوحة ومقلوبة نحو الأسفل أيضا…ومنذ تلك اللحظة تقطع الجماعة أي معاملة مع المعني وليس له عليها أي اعتراف من أي نوع كان، وغالبا ما يغادر القبيلة لينفي نفسه بنفسه، إنه العار، القاعدة المركزية للعرف في المجتمع المغربي التقليدي، وربما المفهوم المركزي للثقافة الشفهية كلها، وطبعا مع مفاهيم أخرى مثل الدم. العار هو الحدla limite بالمعنى الأنثربولوجي بين الإنسية وغيرها.. »

مأساة حلم و عشق :

لكن، كبفما كانت كواليس النص فكرية فلسفية دينية و أسطورية، فنح ليسن أماما مقالة أو بحث علمي… « سفر القلب » قصيدة شعرية، و هكذا يجب أن تقرأ… قصيدة قادرة على أن تبعث في المفردة المنتقاة نبضاً متجدداً، وجوّاً ثرياً، بالإيحاءات والدلالات الغنية… هي قصة حلم:

« لما أيقنت من ولوجك حلمي »

(….)

 » وتحسس زنابق اللقاء
على سعف الحلم، »

و هي فصة عشق تعرض للإغتيال:

 » الحب غدا في حقوله مقبورا
العشق في أبراجه أمسى مبتورا »

و هي قصة عبثية مستوحاة من المسرح المأساوي/ التراجدي، من بين خصائصه موت البطل الفردي أو الجماعي في نهاية العرض:

 » أعدم المخرج…
وأبيد الممثلون…
وأنا وأنت،
نراقب نهاية المسرحية »

و هي قصة صرخة متمردة ثائرة: بمثابة قفلة للقصيدة:

 » الآن..
أعلنها صرخة….
مدوية… »

و الشاعرة من خلال هذه الصرخة، كما كتب أحد الباحثين:

« هي على كل حال ، صورة للمراة العربية الحديثة،في اقبالها و ادبارها ، في حبها للحرية وعشقها للانطلاق من القيود و الاغلال العاطفية ، وفي تقلب عواطفها ومشاعرها ، تلك الصورة التي نقرا لها خطوطها وظلالها و الوانها منذ عمر بن ربيعة الى نزار. »

و لنا عودة

بوزيان موساوي: كاتب من المغرب